من التعثر إلى إعادة التموضع: قراءة في مفاوضات واشنطن–طهران وتحولات التوازن الدولي
خليفة بن سالم
لا يعني التعثر الحاصل في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران نهاية هذا المسار أو العودة الحتمية إلى الحرب، كما يعتقد البعض، أو كما ترغب في ذلك إسرائيل التي تسعى إلى جرّ الولايات المتحدة مجددًا نحو خيار القصف والتدمير واغتيال القيادات الإيرانية. غير أن هذا التمشي الإسرائيلي لم يعد يحظى بنفس القبول داخل الولايات المتحدة، خاصة بعد أن كشفت “حرب الأربعين يومًا” محدودية هذا الخيار وفشله في تحقيق أهدافه الاستراتيجية.
لقد بات من الضروري بالنسبة لدونالد ترامب التراجع والقبول بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، التي ساهمت باكستان في تهيئة ظروفها، وذلك لاعتبارات متعددة. أولها فشل الضربات العسكرية المكثفة والمباغتة في تفكيك بنية النظام الإيراني أو تغيير توجهاته، رغم استهداف قياداته العليا. وثانيها عجز الإدارة الأمريكية عن تشكيل تحالف دولي داعم للحرب، بل على العكس، تشكّل بشكل موضوعي محور دولي رافض للتصعيد. أما ثالثها، فيتجلى في حالة العجز الأمريكي والتردد الأوروبي، مقابل تمكن روسي وصيني من تقديم دعم فعّال لإيران دون ضجيج.
هذه المعطيات مجتمعة دفعت ترامب إلى حالة من العزلة الداخلية، حيث بات مصدر إزعاج حتى داخل ما يُعرف بـ”الدولة العميقة”، وفي الآن ذاته ترك المجال السياسي مفتوحًا أمام خصومه، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية النصفية. لذلك، جاء القبول بالهدنة كخيار اضطراري، لا يعكس تحولًا استراتيجيًا بقدر ما يعكس إعادة تموضع تكتيكية.
غير أن هذه الهدنة تظل هشة وقابلة للانهيار في حال ما سنحت فرصة يراها ترامب مواتية لتوجيه ضربة حاسمة، وهو احتمال لا تغفله إيران ولا حلفاؤها، روسيا والصين، الذين يتعاملون مع المفاوضات باعتبارها مسارًا محفوفًا بإمكانية الانقطاع المفاجئ.
في هذا السياق، يطرح سؤال جوهري: ما جدوى التلويح بحصار مضيق هرمز؟ يبدو أن الولايات المتحدة تراهن من خلال هذا الخيار على ممارسة ضغط اقتصادي لا يستهدف إيران فقط، بل يمتد أساسًا إلى الصين ودول الخليج وأوروبا، في محاولة لمعاقبة الاقتصادات المنافسة. غير أن هذا التكتيك قد لا يؤدي إلا إلى تعميق عزلة واشنطن وزيادة منسوب العجز الاستراتيجي.
في المقابل، يبدو أن إسرائيل أكثر وعيًا بهذا المأزق، حيث سعت إلى استثمار الساحة اللبنانية لفتح مسار تفاوضي مباشر، يهدف إلى إنهاء دور حزب الله. وإذا ما تحقق ذلك—وهو احتمال قائم في ظل توجه رسمي لبناني نحو النأي بالنفس عن ترتيبات التفاوض الأمريكي–الإيراني—فقد نشهد تحولًا نحو اتفاق لبناني–إسرائيلي، بما يسمح بإنقاذ موقع نتنياهو داخليًا وتخفيف الضغط على ترامب.
ومع ذلك، حتى في حال تحقق مسارين تفاوضيين متوازيين—أمريكي–إيراني ولبناني–إسرائيلي—فإن ترامب مرشح للاستمرار في إنتاج خطاب مزدوج قائم على المراوغة خارجيًا والتصعيد داخليًا، وهو ما يعزز فرضية تعرضه لعزلة متزايدة، وربما حتى لمحاولات عزله قبل نهاية ولايته، بالنظر إلى ما بات يمثله من تهديد للتوازنات الديمقراطية داخل الولايات المتحدة.
في المحصلة، لا تعكس هذه التحولات فقط أزمة إدارة سياسية، بل تشير أيضًا إلى تحول أعمق في بنية النظام الدولي، حيث ساهم السلوك الأمريكي المتقلب في تغذية مشاعر العداء، وفتح المجال أمام قوى كبرى، مثل الصين وروسيا، لتعزيز حضورها عبر خطاب يقوم على الشراكة والاستقرار.



Comments