الجديد

الحرب على ايران .. حدث كاشف لمأزق الإمبراطورية الأمريكية !

منذر بالضيافي

في متابعتها للحرب الأمريكية الاسرائيلية على ايران، تركز بعض البرامج الحوارية، حتى في اكثر القنوات التلفزيونية جدية، على طرّح السؤال التالي: من انتصر؟ ومن انهزم؟ هنا يبرز ان التركيز منصب على قراءة الحدث، وليس على قراءة التحولات، لذلك لابد من التأكيد على التفكير في المشهد القادم: على ” اليوم التالي” وهي ” المفردة ” الأكثر استهلاكا و رواجا في وسائل الإعلام، وفي الادبيات السياسية ايضا.

لابد من التركيز على رسم السيناريوهات القادمة، من خلال قراءة غير لحظية للحرب، قراءة كيف تتحول اللحظة، إلى مادة للفهم والتفسير والتنبؤ بالتداعيات و المآلات، الى لحظة كاشفة للفاعلين الدولتين في الحرب، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

فالحرب الأمريكية-الإسرائيلية على ، ليست لحظة عسكرية فقط، بل هي واقعة كاشفة: كاشفة لتحوّل عميق في بنية النظام الدولي، وكاشفة – على نحو أدق – لمأزق الإمبراطورية الأمريكية نفسها.

فحرب الأربعين يوما على ايران، كانت كاشفة لما سيكون عليه لا الشرق الأوسط فقط بل العالم برمته، وهنا ليس من الاستسهال او الكسل الفكري، التأكيد على ان العالم الذي نعرفه، الذي تشكل بعد الحرب الكونية الثانية، واستتب له الأمر مع سقوط جدار برلين، هو اليوم يستأذن في الانصراف و ان الإمبراطورية الأمريكية، التي قادت وهيمنت على هذا العالم، أصبحت تواجه أزمات كبرى ومتعددة، تهدد تفردها بإدارة العالم وان صعود قوى اخرى يبشر بالذهاب نحو عالم متعدد الأقطاب.

وفي هذا السياق أصبحت الصين تمثل خطرا حقيقياً جيوسياسيا على واشنطن وهذا ما ذهب له العديد من قادة الفكر والرأي في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما يفسر ايضا ردة فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ” الغاضبة”، التي تمثل عمق الأزمة البنيوية الامريكية، في لحظة انكشاف عارية.

فالشعبوية هنا ليست انحرافًا، بل تعبير عن قلق إمبراطوري: حين تعجز البنية عن الحفاظ على توازنها، يظهر الخطاب الغاضب كبديل عن الاستراتيجية. كما كشفت الحرب على ايران، ان المنطق الإمبراطوري التقليدي، القائم على القوة العسكرية، يواجه حدود غير متوقعة.

فالحروب الحديثة – على غرار التي تشن اليوم على ايران- لم تعد تحسم بقوة استعراض النار و الآليات، بل بوسائل ناجعة و اقل كلفة وأكثر مردودية ( الطائرات المسيرة مثلا ) وفي الجبوبوليتيك الدولي. لتكشف هذه الحرب أن المنطق الإمبراطوري الكلاسيكي- القائم على التفوق العسكري- بلغ حدوده. فالقوة لم تعد تُقاس بحجم الترسانة، بل بقدرة الفاعلين على إعادة تعريف أدوات الصراع، بما يسمح لقوى أقل تقليديًا بمواجهة مركز مهيمن.

هذا التحول يعكس ما يمكن تسميته بـ “نزع احتكار العنف التكنولوجي”، وهو ما يضع الإمبراطورية الأمريكية أمام مفارقة: امتلاك القوة لم يعد يعني القدرة على الحسم.

من جهة أخرى، وضمن تبيان المسكوت عنه أيضا في هذه الحرب، و على خلاف ما غفل عنه الكثير من المحللين، فان مدار الحرب على ايران، تحرك أمريكي لتعطيل تقدم بيكين، التي هي بصدد تجاوز واشنطن في قطاعات هامة و استراتيجية، مثل التكنولوجيا و الذكاء الاصطناعي.

وهو ما جعل الصين تتحول إلى منصة جاذبة على حساب الولايات المتحدة الأميركية، وأصبح الناس يذهبون للصين لرؤية المستقبل، بعد ان كانت في سنوات سابقة وجهتهم امريكا. هذا ما نقله توماس فريدمان، المحلّل والكاتب السياسي الأميركي في صحيفة “نيويورك تايمز”، بعد زيارة  ميدانية لبيكين ومدن صينية اخرى.

لذلك، وفي العمق، لا يمكن فهم هذه الحرب خارج سياق الصراع مع الصين. فالمسألة لا تتعلق بإيران كهدف مباشر، بل بوصفها عقدة ضمن شبكة أوسع من التوازنات.  بعد أن  تحوّلت الصين من “منافس اقتصادي” إلى بديل حضاري-تكنولوجي، وهو ما يفسر القلق الأمريكي المتزايد.

و هذا ما نقله رجل أعمال أميركي عمل في الصين عقوداً عدّة لتوماس فريدمان، الذي وجد تأكيداً له في ما رآه خلال وجوده في شنغهاي في آخر زياره له، حين زار ما سمّاه “أرض الغد الحقيقية”، أي مركز الأبحاث الجديد الضخم، الذي تبلغ مساحته حوالي 225 ملعب كرة قدم.  

هذا المعلم العلمي و الانساني، بنته شركة التكنولوجيا الصينية العملاقة “هواوي” خلال ثلاث سنوات، ويضمّ 104 مبانٍ مصمّمة بشكل مختلف متّصلة بواسطة قطار. ويضمّ مختبرات لحوالي 35,000 عالم ومهندس وعامل، إلى جانب 100 مقهى ومراكز للّياقة البدنية وامتيازات أخرى مصمّمة لجذب أفضل التقنيين الصينيين والأجانب. التقدم الصيني اللافت و السريع، حقيقة تزعج الأمريكيين، وتهدد نفوذهم وإمبراطوريتهم.

هنا، يصبح بناء مجمعات بحثية عملاقة من طرف هواوي أكثر من إنجاز تقني، إنه إعلان ضمني عن تحول مركز إنتاج المستقبل.

لكن ما يبقى خارج التداول الإعلامي هو الأهم:

**  أن هذه الحرب ليست لإعادة ترتيب الشرق الأوسط فقط، بل لكسب المزيد من الوقت في مواجهة صعود الصين.

 ** وأن الولايات المتحدة لم تعد تدير العالم من موقع الهيمنة المطلقة، بل من موقع إدارة التراجع.

 ** و أن الحروب الجديدة لم تعد تهدف إلى الانتصار، بل إلى منع الآخرين من الانتصار. 

هذا هو التحول الجوهري،  الذي مداره: نحو عالم ما بعد الإمبراطورية.

أخيرا، ان ما تكشفه الحرب على إيران هو أننا لا نعيش “نهاية” الإمبراطورية الأمريكية، بل مرحلة انتقالها من الهيمنة إلى التنافس. إنه انتقال من عالم أحادي القطب إلى عالم تتعدد فيه مراكز القوة، وتتشابك فيه المصالح، وتصبح فيه الحروب أقل حسماً وأكثر دلالة.

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [ View all posts ]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Go to TOP