الجديد

بين استعصاء الداخل و ضبابية الخارج .. المشيشي يتحرك في حقل من الألغام

المهدي عبد الجواد

في الوقت الذي تزداد فيه مخاطر “انهيار المالية العمومية”، تتواصل في تونس “حرب التموقعات” السياسية الصغيرة. فمنذ أشهر لم يجتمع رؤساء البلاد، وتواصل الحكومة عملها بنصف اعضائها، ولا يكاد يشتغل البرلمان بطريقة سليمة. في ظل وضعية وبائية خطيرة استوجبت إغلاق جهات كاملة حماية للارواح.

يعمل السيد رئيس الحكومة جاهدا، مع فريق من وزرائه على التنقل لاكثر من وجهة والتفاوض مع أكثر من طرف، لتعبئة موارد مالية، يبدو أنها لاغنى عنها، لإنقاذ المالية العمومية من الافلاس وضمان نجاح تونس في خلاص بعض خدمات الدين والديون نفسها في غضون الاشهر القليلة المقبلة. ورغم التحركات التي يقوم بها السيد هشام المشيشي، خارجيا فإن لا “أخبار جيدة في الطريق” بل إن ما رشح من أخبار يؤكد ان زيارة سعيد إلى طرابلس أفشلت جزئيا زيارة المشيشي. وأن دعوة رئيس المجلس الانتقالي الليبي محمد المنفي عند تحول المشيشي الى الدوحة “شوش” على الزيارة القطرية، وهو نفس ما يقع بتحول الرئيس الى بروكسال لحظة وصول رئيس الحكومة الفرنسية الى تونس.

الثابت ان “القطيعة المعلنة” بين الرئاسات الثلاث ومن ورائها صراع المؤسسات المعلن يلقي بظلاله، على الحياة السياسية ويؤثر حتى في مستقبل الانتقال الديمقراطي برمته. فلا أحد من القوى السياسية الداخلية او المنظمات الوطنية استطاع فرض رؤيته وتصوراته لحل الازمة السياسية والدستورية والاقتصادية التي تعرفها تونس. بل إن رئيس الجمهورية لم يقم اعتبارا لحجم اتحاد الشغل ودوره الوطني ومنزلته داخل المنظومة، فتجاهل مبادرة اتحاد الشغل لحل الازمة.

كما ان أحزابا عديدة وشخصيات سياسية وجمعيات اخرى، ترى ان مزيد تعفين الجو، قد يكون فرصة “سياسية” تسمح لها بالتموقع او اعادة التموقع، على حساب المصلحة العامة. يبذل رئيس الحكومة جهدا مضنيا في المحافظة على “شقف” الدولة وضمان سير مرفقها العمومي، لكنه يشتغل في ظل أزمة خانقة، يصنع بعضها حلفاؤه ومستشاريه. إذ يشكو رئيس الحكومة من “قصور تواصلي” دلالته الكبرى العجز على تغطية نشاطاته، داخليا وخارجيا، ويفتقد رئيس الحكومة لفريق سياسي قادر على الدفاع على الاجراءات الحكومية وقراراتها وسياساتها. وليست مسألة “كراء او بيع الاراضي الدولية” الا دليلا على ذلك.

وحتى الحزام السياسي الذي يدعم الحكومة فإنه يسيئ اليها اكثر مما يفيدها، ولعله من المفيد التذكير بتصريحات قيادات نهضاوية تعجلت واستبقت زيارات رئيس الحكومة، وأعلنت على نتائجها قبل وقوعها اصلا، تصريحات ترد في سياق إحراج هشام المشيشي، واضعاف منزلته ومقدراته التفاوضية. هذا علاوة على التهديد المتواصل الذي تقوم به كتلة قلب تونس، تبعا لبقاء رئيس حزبها نبيل القروي في السجن. دون الحديث عما بدر من كتلة الاصلاح من مواقف نقدية قوية، يشاع انها تأتي على خلفية التعيينات.

وسط هذه الاجواء المشحونة، يتحمل السيد هشام المشيشي وزر الحكم، ففي الوقت الذي لا يبذل فيه الرئيس قيس سعيد جهدا للمساهمة في تغيير حياة التونسيين، بل تساهم مؤسسة الرئاسة في “تعكير المزاج العام” معتقدة ان المؤشرات الإيجابية في عمليات سبر الآراء كافية لضمان دورة ثانية للرئيس. كما ان راشد الغنوشي وحركة النهضة، يغرقان تدريجيا في “الانطوائية” والتوجس، خاصة وان الحركة تشاهد وتتابع تطور الاوضاع الاقليمية، ومسارعة حلفائها الى التطبيع مع خصومها، وإذا كانت قطر وتركيا دولتان مستقلتان تتحكمان في مصيرهما ولهما القدرة على المناورة والتفاوض، فإن حركة النهضة حزب سياسي تضيق هوامش المناورة لديه كل يوم. في هذا الوضع المتحول، يبدو ان كل محاولات الحكومة لتعبئة موارد الدولة لم تنجح، فشعار المرحلة الذي يقوله الجميع “يا أيها التونسيون، اتفقوا فيما بينكم أولا”.

يبدو الشعار سهلا ومقبولا، ولكنه مستحيل في ظل الاستقطابات التونسية الداخلية. كل ما تقدم يضعنا على عتبات مرحلة قادمة صعبة، لا يبدو ان ملامح تجاوز الازمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمالية ظاهر. وهي وضعية تجعل من كسر الطوق الذي تسجن النخب السياسية والاحزاب والبرلمان نفسها فيه مسالة حتمية. وإذا كان الحديث على انتخابات سابقة لاوانها سهلا فإن الإمكانيات الاجرائية لتنفيذه امر صعب، وليس ثمة من حل اليوم، غير المرور ولو بقوة الى حكومة سياسية تقود المرحلة القادمة، وتنجز بسرعة الإصلاحات الاقتصادية الكبرى وتشرع في الانقاذ الضروري. على ان يترافق ذلك مع هدنة اجتماعية وسياسية.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP