الجديد

عبير عبدالله تكتب: إنا للكتاب.. وإنا إليه راجعون

بقلم: عبير عبدالله*

بينما يهرع الكل خلف سراب الشاشات، وتغرق أرواحنا في ضجيج العالم الافتراضي الذي لا ينتهي، نجد أنفسنا هنا في تونس، ومع كل ربيع، نعود لنتنفس الحبر من جديد. نحن اليوم على أبواب الدورة الأربعين لمعرض تونس الدولي للكتاب (من 23 أفريل إلى 3 ماي 2026)، هذا الموعد الذي لا أراه مجرد شعار رسمي تحت عنوان “تونس وطن الكتاب”، بل هو رحلة عودة كبرى، وانتماء أبدي لكيانٍ صاغ وعينا الأول؛ فمنه نبعت فلسفتي التي أرددها دوماً: “إنا للكتاب وإنا إليه راجعون”.

بالنسبة لي، معرض الكرم ليس مجرد أروقة ورفوف للعرض، بل هو شريط ذكريات يمتد مع سنوات العمر. أتذكر جيداً تلك المرات التي دخلتُ فيها من “باب العارضين”، لا كزائرة عابرة، بل ككاتبة تجلس وراء منصات التوقيع، لتخطّ إهداءاتها لقرّاءٍ جاؤوا يبحثون عن قطعة من روحها في إصدارات جماعية كانت بمثابة ولاداتي الفكرية الأولى. واليوم، أدخل المعرض وفي قلبي غصة ممزوجة بلهفة الأم التي تنتظر “ابنها الثالث”.. ذلك الكتاب الذي تمنيتُ أن أوقعه في هذه الدورة، لكنه آثر التأجيل للسنة المقبلة. ربما هي “خيرة” كما نقول، لعلّه يختمرُ على مهل ليأتي في أبهى حلة. هذا الانتظار في حد ذاته هو جزء من طقوس “الرجوع”؛ فالكتابة، تماماً كالقراءة، صبرٌ وعشقٌ وحياة لا تنتهي.

و رغم اننا في زمن “الخوارزميات”.. لكن الكتاب طقسٌ للمقاومة ففي هذا العصر الذي يسرقنا فيه الضجيج الرقمي من أنفسنا، وتُحاصرنا فيه “الخوارزميات” بومضاتٍ باهتة ومنشورات عابرة تتبخر قبل أن ندرك معناها، يبرزُ الكتاب كفعل “مقاومة” صامت، لكنه عميق. نحن نعود إلى الكتاب اليوم، لا لنقرأ فحسب، بل لنهرب من تشتت الانتباه الذي تفرضه علينا الشاشات الزرقاء بفتاتها المعرفي السريع. الكتاب يمنحنا تلك “الخلوة” المقدسة، حيث يسكنُ الزمن ويهدأ صخب العالم بالخارج.

إن الإمساك بكتلة الورق، وتحسس ملمس الصفحات، وشمّ تلك الرائحة التي لا توفرها “الأجهزة الباردة”، هو طقسٌ حسيٌّ يعيدنا إلى إنسانيتنا المفقودة. إنه يعلمنا التأني في زمن الهرولة، والعمق في عصر السطحية. والمفارقة المبهجة التي نلمسها في أروقة “الكرم” هذا العام، هي أن السوشل ميديا نفسها انحنت أمام سحر الورق، حين نرى شبابنا يعيدون الاعتبار للكتاب كرمزٍ للتميز والوعي، مؤكدين أن العودة إلى الحبر هي في جوهرها “رجوع للوعي”.

أما المشهد الأقرب إلى روحي، فهو مشهد تلك الأنامل الصغيرة وهي تتلمس بشغفٍ طفولي أغلفة القصص الملونة. هناك، في فضاء الأطفال، نرى “الدهشة” في أنقى تجلياتها؛ طفلٌ يجرّ يد والديه بإلحاح، ليس نحو لعبة بلاستيكية، بل نحو عالمٍ يسكنه الخيال، باحثاً عن بطلٍ يشاركه أحلامه بعيداً عن أزرار الأجهزة اللوحية الجامدة.

إن رهاننا الحقيقي اليوم هو أن نزرع في هؤلاء الصغار حب “الرفيق الورقي”، لنبني مجتمعاً يمتلك المناعة الفكرية. المعرض بالنسبة للطفل ليس مجرد رفوف خشبية، بل هو “بستانٌ” تزرع فيه أولى بذور القيم، والحوار، والجمال. نحن لا نشتري لهم مجرد حكايات، بل نهبهم مفاتيح لعوالم لا حدود لها، ونعلمهم أن خلف كل غلافٍ تسكن حيواتٌ كثيرة تنتظر من يكتشفها.

خاتما ، مؤمنة انه مهما جرفنا تيار العصر الرقمي، سنظل نردد بوفاء صادق: “إنا للكتاب وإنا إليه راجعون”. منه بدأت رحلة وعينا، وإليه تؤول عقولنا كلما أرهقها صخب الواقع وزيفه. إنه ملاذنا الدافئ الذي ينتظرنا دائماً بصفحات مفتوحة.. فشدوا الرحال إلى موطن الكلمة، واذهبوا لتجدوا أرواحكم بانتظاركم فوق رفوف الكتب.

** عبير عبدالله | مستشارة في الاتصال السياسي الرقمي | باحثة وكاتبة في قضايا الشباب

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [ View all posts ]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Go to TOP