منذر بالضيافي يكتب في الذكرى الـ250 : الولايات المتحدة الأميركية .. نهاية الإمبراطورية ام بداية مرحلة جديدة ؟
منذر بالضيافي
تحتفل الولايات المتحدة الأمريكية هذه الأيام بالذكرى الـ250 لتأسيسها، في لحظة دولية بالغة التعقيد، تتقاطع فيها الحروب الإقليمية مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، ويتزايد فيها الحديث عن نهاية “اللحظة الأمريكية” وبداية تشكل نظام عالمي متعدد الأقطاب.
وقد غذّت هذا النقاش جملة من التطورات المتسارعة، من بينها عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بشعار “أمريكا أولًا”، وما يحمله من توجه نحو تقليص كلفة الانخراط الخارجي، إلى جانب الفتور الذي شاب علاقات واشنطن ببعض حلفائها التقليديين في أوروبا والخليج، فضلًا عن الجدل الذي أثارته سياساتها في الشرق الأوسط، ولا سيما بعد الحرب على إيران وما رافقها من تباين في تقييم نتائجها الاستراتيجية داخل الأوساط السياسية والأكاديمية الأمريكية.
لكن، هل تعني هذه المؤشرات أن الإمبراطورية الأمريكية دخلت فعلًا مرحلة الأفول؟ أم أننا أمام إعادة تموضع في إدارة النفوذ أكثر من كوننا أمام تراجع في عناصر القوة؟
الواقع أن الولايات المتحدة ما تزال تمتلك معظم مقومات القوة البنيوية التي تجعلها الفاعل الدولي الأول. فهي لا تزال صاحبة أكبر اقتصاد عالمي، وتقود الثورة التكنولوجية والرقمية، وتحتضن الشركات الأكثر تأثيرًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي، كما يظل الدولار العملة المرجعية في النظام المالي العالمي، وهو ما يمنح واشنطن قدرة استثنائية على التأثير في حركة الاقتصاد الدولي.
ولا يقتصر هذا النفوذ على الاقتصاد والتكنولوجيا، بل يمتد إلى شبكة واسعة من التحالفات العسكرية والمؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وهي مؤسسات ساهمت الولايات المتحدة في تأسيسها وما تزال تمتلك داخلها وزنًا مؤثرًا. كما تواصل الثقافة الأمريكية، عبر الجامعات والإنتاج السينمائي والمنصات الرقمية واللغة الإنجليزية، ممارسة ما يُعرف بـ”القوة الناعمة”، التي لا تقل أهمية عن القوة العسكرية أو الاقتصادية.
أما الصين، التي تُقدَّم بوصفها المنافس الأكبر للولايات المتحدة، فقد حققت بلا شك صعودًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا لافتًا، لكنها لم تُظهر حتى الآن رغبة في الحلول محل واشنطن باعتبارها الضامن الوحيد للنظام الدولي. فبكين تبدو أكثر ميلًا إلى توسيع نفوذها تدريجيًا داخل النظام القائم، بدل السعي إلى هدمه بالكامل، وهو ما يفسر استمرار التشابك الاقتصادي العميق بينها وبين الولايات المتحدة، رغم احتدام المنافسة بينهما في عدد من المجالات الاستراتيجية.
وفي المقابل، كشفت الحرب الروسية الأوكرانية حدود القدرة الروسية على إعادة تشكيل موازين القوى الدولية. فقد أدت الحرب إلى استنزاف طويل الأمد، وإلى فرض عقوبات غير مسبوقة على موسكو، بما جعل كلفة المواجهة مرتفعة داخليًا وخارجيًا، وأضعف قدرتها على تقديم نفسها بوصفها قطبًا عالميًا بديلًا.
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة بمنأى عن التحديات. فهي تواجه مستويات مرتفعة من الدين العام، واستقطابًا سياسيًا واجتماعيًا متزايدًا، كما تواجه منافسة متصاعدة من الصين في عدد من القطاعات الحيوية، إضافة إلى تراجع نسبي في ثقة بعض الحلفاء التقليديين بسياساتها الخارجية. غير أن هذه التحديات، على أهميتها، لم تُفضِ حتى الآن إلى فقدان واشنطن موقعها المركزي في النظام الدولي، بقدر ما فرضت عليها مراجعة أولوياتها وإعادة توزيع مواردها.
ومن هذا المنظور، يبدو أن الحديث عن “أفول الإمبراطورية الأمريكية” سابق لأوانه. فالأدق هو القول إن العالم يشهد تراجعًا في التفوق الأمريكي المطلق الذي طبع مرحلة ما بعد الحرب الباردة، لا انهيارًا للهيمنة الأمريكية ذاتها. وهناك فرق جوهري بين تراجع نسبي في ميزان القوة وبين فقدان القدرة على قيادة النظام الدولي.
وفي العالم العربي، ما تزال الولايات المتحدة تحتفظ بحضور سياسي وأمني واقتصادي مؤثر، خاصة في منطقة الخليج، التي تمثل إحدى أهم ركائز التوازنات الدولية في مجالي الطاقة والأمن. ومن ثم، فإن تنويع بعض الدول العربية لشراكاتها مع الصين أو غيرها لا يعني بالضرورة التخلي عن الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن، بل يعكس سعيًا إلى توسيع هامش المناورة في بيئة دولية أكثر تعقيدًا.
كما أن صورة الولايات المتحدة في العالم لا تختزل في سياساتها الخارجية وحدها، مهما كانت محل انتقاد. فهي ما تزال، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الشعوب، مرتبطة أيضًا بجامعاتها، ومراكزها البحثية، ومنحها العلمية، ومساعداتها التنموية، وبالقيم التي ترفعها، مثل الحرية وسيادة القانون والمواطنة، حتى وإن ظل النقاش قائمًا حول مدى اتساق ممارساتها مع هذه المبادئ.
في المقابل، لم تتمكن القوى الصاعدة، سواء روسيا أو الصين، من تقديم نموذج عالمي يتمتع بالجاذبية نفسها على مستوى القيم والمؤسسات، رغم ما حققته من إنجازات في مجالات الاقتصاد أو التكنولوجيا أو القدرات العسكرية.
إن قراءة التحولات الدولية بعيدًا عن الانطباعات الآنية تقود إلى نتيجة مختلفة عما يروجه كثيرون: الولايات المتحدة ليست قوة آيلة إلى السقوط، كما أنها ليست قوة بلا تحديات. إنها قوة تعيد صياغة أدوات هيمنتها بما يتلاءم مع عالم أكثر تنافسًا وتعقيدًا.
بعد مرور 250 عامًا على تأسيسها، لا تبدو الولايات المتحدة أمام نهاية إمبراطوريتها، بل أمام مرحلة جديدة من إعادة إنتاج نفوذها في نظام دولي يتغير، دون أن يكون قد وجد، حتى الآن، بديلًا قادرًا على الحلول محلها.



Comments